عبد الرزاق اللاهيجي
135
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
والا لكان المناسب ايراده في ما سبق حيث أثبت اعتباريّة الامكان المسألة الخامسة والثلاثون في حاجة الممكن إلى المؤثر والحق ان الحكم بها ضرورىّ كما قال والحكم بحاجة الممكن إلى المؤثر الّذي هو في قوة الحكم بامتناع الترجح بلا مرجح ضروري أولى يجزم العقل به بمجرد تصوّر طرفيه بان يتصوّر الممكن من حيث يتساوى طرفاه بالنظر إلى ذاته ويتصوّر المؤثر من حيث إن المراد منه ما به يترجح أحد الطرفين المتساويين للممكن على الآخر فإنه بعد هذين التصوّرين يحصل الجزم بلا توقف بان الممكن يحتاج في حصول الوجود أو العدم له إلى مرجح لا محالة وقد يتشكك في كون هذا الحكم أوليا بانا إذا عرضنا هذه القضية على عقولنا وجدناها اخفى من قولنا الواحد نصف الاثنين والأوليات لا يجرى فيها التفاوت بالجلاء والخفاء فأشار إلى دفعه بقوله وخفاء التصديق لخفاء التصور غير قادح في كونه أوليا لان التصديق الأولى ما لا يتوقف حصوله بعد تصور الأطراف على شيء آخر فخفائه وحصوله قبله لا يقدح في اوّليته فالأولى قد يكون خفيّا لخفاء في تصوّرات أطرافه اما لنظريّتها أو لقلة الأسباب المقتضية لالتفات الذهن إليها والتصديق المذكور كذلك فإنه قد يتصور الممكن من حيث إنه موجود أو معدوم أو شيء آخر لا من حيث إنه ممكن متساوي الطرفين لذاته لعدم التفات الذهن إلى معنى التساوي لاحتياجه في حصول هذا المعنى له إلى النظر فان الحكم بكون التساوي ثابت للممكن من الأسباب المقتضية لالتفات الذهن إلى تصوّر الممكن بعنوان كونه متساوي الطرفين فكون هذا الحكم نظريّا مما يوجب خفاء التصور المذكور وان كان من الأوليات وليس المراد ان نظرية هذا الحكم مما يوجب نظرية التصور المذكور كما توهم فيتوقف في الحكم المذكور لأجل ذلك فان قيل ما اشعر به كلام المصنف من كون اختلاف الأوليات في الخفاء والجلاء منحصرا في ان يكون لخفاء تصورات الأطراف وان كان مشتهرا فيما بين القوم لكن لمانع ان يمنعه لجواز اختلافها في أنفسها بالنظر إلى الأذهان المتفاوتة بل بحسب الأوقات المختلفة بالقياس إلى ذهن واحد كيف لا وبعض الاشخاص يفرق بين النظم والنثر بحسب فطرته وبعضهم لا يفرق بينهما أصلا وكذا بين الألحان المنتظمة والمتنافرة قلنا إن مراد القوم انه إذا كان حكم ما بديهيّا أوليا بالنسبة إلى جماعة فلا يتصوّر الاختلاف فيه بالخفاء والجلاء بالنسبة إلى هؤلاء وذلك مما لا شك فيه وليس مرادهم ان ما يكون أوليا جليا بالنسبة إلى جماعة لا يجوز ان يكون خفيفا بالنسبة إلى آخرين واما ما ذكر من الاختلاف في التفرقة بين النظم والنثر والألحان المنتظمة والمتنافرة فجوابه ان القضية التي حكم فيها بالتفرقة المذكورة من قبيل الوجدانيات لا من قبيل الأوليات والكلام ليس الا فيها وهذا اعني كون الحكم بحاجة الممكن إلى المؤثر ضروريّا مذهب الجمهور وبعضهم انكر كونه ضروريّا وذهب إلى كونه كسبيّا فاستدل عليه بوجهين الأول ان الامكان يستلزم تساوى الوجود والعدم بالنسبة إلى ذات الممكن وهذا معنى اقتضاء ماهية الممكن تساوى الطرفين ووقوع أحدهما بلا مرجح يستلزم رجحانه وهما متنافيان والجواب ان التساوي بحسب الذات انما ينافي الرجحان بحسب الذات وهو غير لازم فان قيل الترجيح إذا لم يكن بالغير كان بالذات ضرورة انه لا ثالث قلنا نفس المتنازع فيه هو انه يجوز ان يقع بحسب الاتفاق من غير سبب والثاني ان الممكن ما لم يترجح لم يوجد وترجّحه امر حدث بعد ان لم يكن فيكون وجوديّا فلا بد له من محل وليس هو الأثر لتأخره عن الترجح فيكون هو المؤثّر لعدم الثالث فلا بد